يحيى العامري الحرضي اليماني

406

غربال الزمان في وفيات الأعيان

وكان اليفاعي لا يصلي في الجامع إلا الجمعة في مؤخر المسجد ، ومثله ما ذكر الغزالي أنه رأى بمكة بعض العارفين يصلي في بيته ، فسأله عن ذلك ، فذكر أنه يدخل عليه من الضرر أكثر من النفع . قلت : وهذا لا يسوغ ولا يرخص في ترك الجماعة ، ولا ينبغي حكاية مثل هذا عن العلماء المقتدى بهم ، فربما استروح به بعض أهل البطالة من المتصنعين والمترفهين . وكان زيد صغير الجسم ، وله مهابة عظيمة . وسئل زيد عن الفقيه إبراهيم بن علي ابن الإمام الحسين بن علي الطبري صاحب ( العدة ) : كيف حاله في العلم ؟ فقال : هو مجوّد لولا أنه اشتغل بالعبادة فرارا من العلم . وقد نص الشافعي رحمه اللّه أن طلب العلم أفضل من صلاة النافلة ، وحديث : « لأن يهدي اللّه بك رجلا واحدا » دليل على ذلك ، واللّه أعلم . وعلم الباطن هو نتيجة العلم الظاهر ، فمن استعمل رسوم الشريعة الظاهرة كما جاءت عن الأنبياء فقد اهتدى وهدى ، وهم المشار إليهم بقوله تعالى : ( وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا ) ، ولا شك أن العالم بأحكام اللّه إذا استبطن التقوى واستشعر العمل أورثه ذلك العلم باللّه الذي هو أجل العلوم ، والمراد بالعلم باللّه علم التوحيد الذي هو إثبات وحدانيته بنفي الشريك والأضداد ، إيمانا جازما ، وإثبات الصفات والملائكة والأنبياء والكتب المنزلات . وأفضل العلوم بعده علم الفقه الذي يستفاد من الكتاب والسنة اللذين ضمن اللّه العصمة في جانبهما ، ولم يضمنها في جانب الكشف والإلهام والمشاهدة . كذا نقله صاحب الأصل من غير واحد من المحققين ، ومنهم الشيخ القطب أبو الحسن الشاذلي ، نفع اللّه بهم . وفيها الحافظ الكبير أبو علي بن سكّرة حسين بن محمد الأندلسي ، سمع ببغداد من البانياسي وطبقته ، ومن الشاشي المستظهري ، وأخذ بدمشق عن نصر المقدسي ، وبرع في الحديث ، وصنف ، وأكره على القضاء ، فقضى ، ثم اختفى واستعفى فأعفي ، واستشهد في المصاف [ وله نحو ستين سنة ] « 1 » .

--> ( 1 ) زيادة من ب ومرآة الجنان 3 / 210 .